ابن الأثير

324

الكامل في التاريخ

وهو صاحب ديار مصر ، بمنزلة تعرف بالعادلية ، بالقرب من دمياط ، والعساكر متّصلة من عنده إلى دمياط ، ليمنع العدوّ من العبور إلى أرضها . وأدام الفرنج قتال البرج وتابعوه ، فلم يظفروا منه بشيء ، وكسّرت مرمّاتهم وآلاتهم ، ومع هذا فهم ملازمون لقتاله ، فبقوا كذلك أربعة أشهر ولم يقدروا على أخذه ، فلمّا ملكوه قطعوا السلاسل لتدخل مراكبهم من البحر المالح في النيل ويتحكّموا في البرّ ، فنصب الملك الكامل عوض السلاسل جسرا عظيما امتنعوا به من سلوك النيل ، ثمّ إنّهم قاتلوا عليه أيضا قتالا شديدا ، كثيرا ، متتابعا حتّى قطعوه ، فلمّا قطع أخذ الملك الكامل عدّة مراكب كبار وملأها وخرقها وغرّقها في النيل ، فمنعت المراكب من سلوكه . فلمّا رأى الفرنج ذلك قصدوا خليجا هناك يعرف بالأزرق ، كان النيل يجري فيه قديما ، فحفروا ذلك الخليج وعمّقوه فوق المراكب التي جعلت في النيل ، وأجروا الماء فيه إلى البحر المالح ، وأصعدوا مراكبهم فيه إلى موضع يقال له بورة ، على أرض الجيزة أيضا ، مقابل المنزلة التي فيها الملك الكامل ليقاتلوه من هناك ، فإنّهم لم يكن لهم إليه طريق يقاتلونه فيها ، كانت دمياط تحجز بينهم وبينه ، فلمّا صاروا في بورة حاذوه فقاتلوه في الماء ، وزحفوا غير مرّة ، فلم يظفروا بطائل . ولم يتغيّر على أهل دمياط شيء لأنّ الميرة والأمداد متّصلة بهم ، والنيل يحجز بينهم وبين الفرنج ، فهم ممتنعون لا يصل إليهم أذى ، وأبوابها مفتّحة ، وليس عليها من الحصر ضيق ولا ضرر . فاتّفق ، كما يريد اللَّه عزّ وجلّ ، أنّ الملك العادل توفّي في جمادى الآخرة من سنة خمس عشرة وستّمائة ، على ما نذكره إن شاء اللَّه ، فضعفت نفوس الناس لأنّه السلطان حقيقة ، وأولاده ، وإن كانوا ملوكا إلّا أنّهم بحكمه ، والأمر إليه ، وهو ملّكهم البلاد ، فاتّفق موته والحال هكذا من مقاتلة العدوّ .